אל תחכה יותר


إلى أبنائي الأحباء وأعضاء جسد المسيح في كل مكان، 

نعمة إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح، الذي أحبّنا وبذل نفسه لأجلنا، تملأ قلوبكم سلامًا ورجاءً. أيها الأحباء المباركون في الرب، هل تأملتم يومًا في ماهية "الكنيسة"؟ إنها ليست مجرد سقف يجمعنا في هذه الأرض المباركة في البقيعة المرج، ولا هي حجر بارد صامت.

كما يُعلّمنا القديس يوحنا الذهبي الفم:

"الكنيسة ليست الجدران والأرضيات، بل تجمع المؤمنين."

إن الكنيسة هي سفينة النجاة التي يقودها رب المجد، وهي الحضن الأمومي الذي يضمّنا لننمو في النعمة. هنا، حيث تترجم الأسرار الإلهية إلى حياة، نُصبح جسد المسيح الحي، وكل واحد منكم هو عضو لا غنى عنه فيه. نحن مدعوون أن نلتقي بالله لا كغرباء أو زوار، بل كأبناء في بيته. ومن هنا تنطلق أنفاس الصلاة، وأصوات التراتيل، ودموع الرجاء.

لقد جُبلنا كعائلة واحدة، وهدفنا الأسمى هو أن نكون نورًا وملحًا في هذا العالم الذي يعطش للحق والمحبة. لذلك، يدعونا مخلصنا الحبيب:

«فليُضِئ نورُكم هكذا قدّام الناس، لكي يروا أعمالكم الصالحة، ويُمجِّدوا أباكم الذي في السماوات» (متى 5: 16).

إن عمل الإنجيل لا يقف عند حدود الهيكل، بل يتدفق من المذبح ليُلامس كل زاوية من حياتنا وحياة مجتمعنا. الكنيسة هي مركز لخدمة القريب، لمدّ يد العون، وللسهر على تربية الجيل القادم في مخافة الله.

أيها الأعضاء الأحباء في جسد المسيح، إنّ دعوتنا الأرثوذكسية هي دعوة للتكريس والمشاركة الكاملة. فالكنيسة اليوم بحاجة إلى قوة شبابها، وحكمة شيوخها، وغيرة عائلاتها، لتواصل مسيرتها بثبات. يجب أن نحافظ على هذا الصرح الروحي المُشعّ، وأن نُغذّي فعالياته ونشاطاته المتنوعة، لتبقى حياتنا المسيحية متّقدة ومؤثرة.

إنّ وحدتنا لا تظهر فقط في صلاة "يا رب ارحم"، بل في خدمة المحبة العملية أيضًا. تذكروا دائمًا أن المحبة هي رباط الكمال، فـ "إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه، فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات" (متى 18: 19). فإذا كانت الوحدة في الطلبة مُستجابة، فكم بالحري تكون الوحدة في الخدمة والبذل مثمرة!

كما أن السفينة لا تبحر بجهد ربان واحد، كذلك الكنيسة لا تزدهر دون مشاركة كل عضو. فلتكن خطواتنا ثابتة وممتلئة من نعمة الروح القدس.

هذه المسيرة المقدسة تستدعي منا روح البذل والعطاء السخي. تذكروا دائمًا هذه الكلمات الإلهية التي تُبيّن كمال الفرح:

«مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ» (أعمال الرسل 20: 35).

نحن لا نُعطي الكنيسة من فضلاتنا، بل نُردّ للرب من خيراته علينا. إن مساهمتكم ودعمكم لخدمات الكنيسة وفعالياتها ليست مجرد تبرعات، بل هي استثمار في الأبدية، وشراكة حقيقية في بناء ملكوت الله على الأرض.

وكما يُعلمنا القديس باسيليوس الكبير: "من يعطي الفقير، لا يمنّ عليه، بل يشكر الله الذي جعله أداة خيرٍ في يده." إن عطاءنا هو دليل على مكان قلبنا:

«حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضًا» (لوقا 12: 34).

فليكن قلبنا إذًا في بيت الله، وليكن كنزنا في الخدمة والمشاركة، لا بحزن ولا اضطرار، بل بشوق وفرح!

فلنتعهّد جميعًا أن نكون رعاة أمناء على هذا البيت الأبوي، نحافظ على رسالته ونوره، ونقف معًا كجسدٍ واحد، يخدم الرب بفرحٍ وبقلبٍ شاكر، ثابتين في الإيمان والرجاء والمحبة.

لتكن نعمة الرب يسوع المسيح عليكم جميعًا، وسلامه يملأ قلوبكم، ولتبقَ كنيستنا منارةً تشهد أن المسيح هو الحيّ في وسطنا، أمس واليوم وإلى الأبد.

 آمين.

مع محبتي 

الاب نكتاريوس فرح – راعي الكنيسة